الأربعاء، 3 أبريل 2013


بسم الله الرحمن الرحيم

الحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي

        الأدب الاجتماعي والإصلاحي موضوع هذا اللقاء، وهذا الموضوع يثير في أذهاننا مجموعة من الأسئلة تقودنا إلى موضوعات عدة، لهذا كان الأدب الاجتماعي الإصلاحي، أو متى تبدو الحاجة ملحة إلى الإصلاح الاجتماعي ؟ حينما تفسد علاقة الإنسان بعقله، أو يسيء إعماله فيسخره لأغراض رخيصة، عندها يكون الجهل والتجهيل هو أعدى أعداء الإنسان، وحينما تنقطع صلة الإنسان بينبوع القيم أو تفسد علاقته به تسفل أهدافه، وتنحط ميوله، ويبيح لنفسه أكثر الوسائل قذارة لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق مدمرة، التي تسبب الشقاء الإنساني، وحينما تفسد علاقة القوي بالضعيف، ستكون الغلبة لصاحب القوة لا لصاحب الحق، عندها تعيش الأمة أزمة حضارية تعيق تقدمها أولاً وتقوم دعائمها ثانياً، فيكون انهيار الحضارة وانهيار الأمة، وما دور الأدب الحقيقي في إصلاح الفساد، أو هل الأدب قوة فعالة تستطيع إنقاذ البشر من ألوان الفساد الغارقة فيه بطريق مباشر أو أنه غذاء روحي بطيء الأثر قليل الخطر، لن يقدم ولن يؤخر، إن الذين يحسنون الظن بالأدب يقولون :
  قام الأدب على التجربة الحية الصادقة لإنسان أو شعب أو عصر، من دون تزيف أو تهويل، حتى لا تفسد الصور وتحجب الحقائق تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه ووعي مشكلاته وأدرك مدى قدرته على حله، إذا كان الأدب كذلك خرج من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور إلى وظيفة النور البراق المتحرف الذي يفتح الأبصار، وتقتضي الموضوعية في البحث أن نقول : إذا صور الأدب نوعاً من الشذوذ والانحطاط وحمل قارئه على أن يعطف على الانحلال ويعجب بالتدهور فإن مجتمعاً بأسره يمكن أن تسري فيه العدوى عن طريق هذا الأدب، ويكون الأدب حينئذٍ مدمراً لمجتمع وقيمه وأخلاقه.
 إذاً : فالأدب في أحسن الأحوال وفي أحسن حالاته، بل وفي الأجواء الحرة الصحيحة يستطيع أن يقدم صورة دقيقة لمشكلة أو مأساة اجتماعية تعد الخطوة الأولى لإصلاح ما فسد ولا بد من أن تتلوها خطوات وخطوات.
هل الأدب الاجتماعي الإصلاحي من حيث المضمون ظاهرة جديدة كل الجدة، أما في الأدب القديم ما يشبهه من قريب أو بعيد.
أيها الأخوة الأكارم :
 الإنسان هو الإنسان، متى وجد وحيث ما حل، فطرته وصبغته وحاجاته ومشاعره وآلامه وطموحاته هي هي، فالمشكلات الاجتماعية كانت ولا تزال على اختلاف في تنوعها وفي حدتها وفي حجمها، ومما يؤكد هذه الحقيقة وهي أن المشكلات الاجتماعية هي هي، أسوق إليكم هذه القصة...
أحد الولاة في عهد عمر بن عبد العزيز كتب إليه، إن إناساً من العمال قد اقتطعوا مالاً ولست أقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن أذنت لي أفعل.
 فكتب إليه عمر : إني أعجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك حصن من عذاب الله، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله فانظر من قامت عليه بينة فخذه بما قامت به عليه البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه وخل سبيله، ويم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام.
 هذه القصة تؤكد أن المشكلات الاجتماعية هي هي، وأن الإنسان هو هو، لذلك يمكن أن يكون في الأدب القديم ومضات من الأدب الاجتماعي تؤكدها بعض هذه الصور، فأبو فراس الحمداني يغرق في ألم فردي عميق يحمله على أن يهجو الزمان ويشكو غدر الخلان فيقول :
بـمن يثق الإنسان فيما ينوبه ومن  أين للحر الكريم سحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم  ذئاب على أجسادهم ثيــــاب
 فتاة عربية تلمس كف أبيها فتجدها خشنة، فتقول :
هذه كف أبي خشنها ضرب  مجحاف ونقل بالزبيب
 فيجيبها أبوها :
ويكي لا تستنكري كد يدي  ليس من كد لعز بذليـــل
إنما الذلة أن يمشي الفتـى ساحب الذيل إلى وجه البخيل 
 وفي هذا المعنى نفسه يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين ونقل بحرين ذاخرين إلى أرض الصعيد بمنخلين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من أن أٌريق ماء وجهي أمام بخيل لئيم لوفاء دين. 
 هذا هو المعنى نفسه، صورة رابعة من صور الأدب الاجتماعي القديم بعض الشعراء صور أثر الرشوة في تذليل المصاعب وتحقيق الرغبات، فقال :
إذا كنت في حاجة مرسل  وأنت فيها كلف مــغرم
فأرسل حكيم ولا توصـه  وذلك الحكيم هو الدرهم
 أليست يا أخوتنا المشاهدين، ويا أعزائنا الطلاب :
أليست هذه الموضوعات وتلك الصور واللقطات من صميم الأدب الاجتماعي.
ما المضامين الكبرى التي انطوى عليها الأدب الاجتماعي الإصلاحي ؟ 
 الحقيقة أن أبعاد الواقع الاجتماعي للأمة العربية في العصر الحديث أكبر من أن يعبر عنه الأدب مهما بدا هذا الأدب ملتصقاً بالجماهير، فهناك تخلف عن ماضي الأمة العربية المزدهر روحياً وهناك تخلفاً عن حاضر العالم المتقدم مادياً، وهناك سبب خارجي يلخص بسيطرة القوي، وهناك سبب داخلي يختصر باستغلال الضعيف وبتحديد أدق إن المضامين الكبرى للأدب الاجتماعي والإصلاحي هو تخلف الوعي والفكر وصراع الحضارات والأخلاق والعادات والتقاليد والشقاء الإنساني، وسأختار من هذه المضامين الموضوعين الأول والثاني.....
تخلف الوعي والفكر.
 الجهل قبيح وأقبح منه الإصرار عليه، فالجهلة كالخشب المسندة وكالأنعام الشاردة، وكالحمر المستنفرة، والطامة الكبرى ألا تدري وألا تدري أنك لا تدري، ومثل هذا الإنسان أخطر على المجتمع من الجاهل الصرف، فلا هو عالم فيفيد من علمه ولا هو جاهل فيسعى إلى طلب العلم، يقول الزاهوي :
نصحت للقوم في شعري فما سمعوا  كأنما القوم في آذانهم صمم
 والعلم سبيل إلى الخلاص من التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي بل والسياسي، وأنه بالعلم ترقى الأمم وأنك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، وأن الناس هلكة إلا العالمون والعالمون هلكة إلا العاملون والعاملون هلكة إلى المخلصون، وأن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، وأن من طلب العلم يظل طالباً للعلم طوال حياته، وأن المرء يظل عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، وقد قيل تعلموا العلم فإن كنتم سادةً فقتم، وإن كنتم وسطاً ستم، وإن كنتم سوقة عشتم.
يقول الرصافي موضحاً هذه المعاني :
متى ينجل يا قوم بالصبح ليلكم فتذهب عنكم غفلة وذهــــــول
تريدون بالعلية سبيل وهل لكم إليه وأنتم ذاهلون سبيـــــــل
ألا نهضة علمية عربيـــة فتنحث أرواح بها وعقــــــول
ويشجع رعديد ويعتز صـاغر  وينشط بالسعي الحفيف كسول
ولكن يا أخوتنا المشاهدين ويا أعزائنا الطلاب :
 لكن العلم شرط لازم غير كاف للتقدم الحقيقي، فلا بد للعلم من سياج منيع من القيم الإنسانية الثابتة، لئلا يصبح أداة خطيرة في أيدي قوى الشر، وأكبر دليل على ذلك فزع العلم الغربي من انتشار الأسلحة النووية والتسابق في تطويرها، وقد تنبئ أحد الفلاسفة الغربيين أن الحرب العالمية الرابعة سوف تكون بالحجارة فقط، ويعني بذلك أن العلم من دون قيم أخلاقية سيدمر نفسه، وقد تنسحب هذه الحقيقة على المستوى الفردي، وإلى ذلك أشار حافظ إبراهيم فقال :
لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخـــلاقه
كم عالم مد العلوم حـبائلاً لوقيعة وقطيعة وفــراق
وطبيب قوم قد أحل لطبه ما لا تحل شرعية الخـلاق
وأديب قوم تستحق يمينه قط الأنامل أولظ الإحـراق
في كفه قلم يمج لعابه سم وينفــــث على الأوراق
 الموضوع الآخر في الأدب الاجتماعي الإصلاحي هو صراع الحضارات، لن أعرف الحضارة، ولكنني سأبرز نوعيها من خلال بعض الصور الأدبية، حينما يصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن يهشم أنف جبلة بن الأيهم الملك الغساني لأنه هشم أنف بدوي داس طرف ردائه، يقول عمر مخاطباً جبلة من خلال الحوار الذي صاغه الأستاذ الشاعر سليمان العيسى
يقول عمر :
 أرض الفتى لا بد من إرضاءه مازال ظفرك عالق بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلت كفك.
يقول جبلة :
 كيف ذاك يا أمير المؤمنين هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرض.
يقول عمر :
نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديدا وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، عالم نبنيه كل صدع فيه بشذا السيف يداوى، وأعز الناس بالصعلوك بالعبد تساوى.
 عمر بن الخطاب الذي يصر على تهشيم أنف جبلة بن الأيهم الملك الغساني هو نفسه يمر في الطريق وفي الطريق غلمان فإذا رأوه فلما رأوه تراكضوا إلا واحد منهم بقي واقف في أدب وجرئه، فلما وصل إليه عمر وحاذاه قال أيها الغلام لما لم تهرب مع من هرب، فقال أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
يا أخوتنا المشاهدين ويا أعزائنا الطلاب :
 هذه حضارة القيم، هذه حضارة الأجداد، هذه حضارة أصحاب الرسالة السامية الخالدة، فماذا عن حضارة المادة، حينما تطأ قدم إنسان أرض القمر فيرى شروق الأرض وغروبها، لا شروق القمر وغروبه وحينما يستقل المرء طائرة أسرع من الصوت فننتقل من أوربا إلى أمريكا في أقل من ساعتين، وحينما يرفع أحدنا سماعة الهاتف ليتصل بإنسان يبعد عنه عشرات الآلاف من الكيلومترات دون أن يعبأ بفاتورة الهاتف التي قد تفوق دخل السنوي، أو حينما يستخدم الهاتف التلفزيوني ليرى من يحدثه وجهاً لوجه، وحينما ترى وأنت في بيتك ما يحدث في أطراف الدنيا مما يندى له جبين البشرية خجلاً، وحينما تضغط على حرف في جهاز التلكس وأنت في مكتبك في دمشق فيطبع هذا الحرف في الوقت نفسه على جهاز مماثل في اليابان، وحينما تبث الصور للأمواج الإذاعية وتلتقط البرامج بالأقمار الصناعية فإن هذا كله يعد من منجزات حضارة المادة، ولكن هذه الحضارة ليست متاحة للجميع، بل هي متاحة لمن يدفع الثمن وربما كان الثمن باهظاً لا يملكه أكثر أهل الأرض، لذلك كانت هذه الحضارة أحياناً سبباً لمعظم الصراعات في العالم التي سببت شقاء الإنسان الذي لا يحيط به وصف، إن حضارة القيم تعني سيطرت الإنسان على ذاته في أرقى صورها، بينما تعني حضارة المادة سيطرت الإنسان على ما حوله وعلى من حوله عن طرق أسلحة متطورة تعطل كل معاني الشجاعة والإقدام وإباء الضيم، قال أحد المفكرين الأجانب متحدثاً عن الحضارة الغربية :
ملكنا العالم ولما نملك أنفسنا.
 لذلك يا أخوتنا المشاهدون نشب صراع حاد بين الحضارتين حضارة القيم وحضارة المادة، بين القديم والجديد، بين القيم والحاجات بين المبادئ والرغبات، وقد انعكس هذا الصراع على الأدب فوقف بعض الأدباء مواقف سلبية من الحضارة الغربية، فصور زيفها وقسوتها وشرورها، يقول ربى الشبيبي :
خداع وكذب واقتراف وقسوة وظلم أهذا العالم المتمدن.
 ويقف أدباء آخرون موقفاً معتدلاً ومتوازناً فيتقبلون من الغربيون ما في رؤوسهم من علم ومعرفة، ويدعون ما في نفوسهم من عادات وتقاليد، سؤل أحد الأدباء ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغربيين فقال في إيجاز : نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، فإن الثقافة ملك البشرية جمعاء لأنها مثل عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها، فليكن همنا جين العسل دون النظر إلى جماعات النحل.
أخوتنا المشاهدين :
بقي من مضامين الأدب الاجتماعي الإصلاحي الأخلاق والعادات والتقاليد والشقاء الإنساني فأرجو أن يتاح لي أو لغيري في لقاء آخر معالجة هذه الموضوعات.
 وفي ختام هذا اللقاء أشير إلى أن في الأدب الاجتماعي الإصلاحي نقطتين هما من نقاط الضعف الأولى : أن رؤية الأدباء الإصلاحيين كانت محدودة وقاصرة، لم تصل الأسباب الحقيقية للمشكلات الاجتماعية والنقطة الثانية : أن أولئك الذين هم وراء المشكلات الاجتماعية والذين ماتت في نفوسهم كل القيم الإنسانية والحضارية هؤلاء الذين وراء المشكلات الاجتماعية ما كان لهم أن يستجيبوا لدعوة بالحسنة إلى العدل والإنصاف، لذلك كان لا بد من رؤية أخرى، رؤية واضحة بعيدة، وكان لا بد من وسيلة أخرى أكثر فعالية ونجاحة من وسائل الأدب الإصلاحي.
هذا ما سوف تجدونه في درس قادم إن شاء الله عنوانه الأدب الاجتماعي الثوري، أرجو أن تكون قد أفدتم من هذا اللقاء وإلى لقاء آخر
والحمد لله رب العالمين

تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام


تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام

آراءالخميس 17-5-2012  د. هزوان الوز

تتم عملية التأثير على الرأي العام بخطوات وأساليب متعددة، فوسائل الإعلام باعتبارها مصدراً مهماً من مصادر المعلومات تقوم بتزويد المتلقي على نحو مستمر بكم هائل من المعلومات والمعارف المختلفة في شتى القضايا والموضوعات،
وهذه المعلومات قد تكون صحيحة ضمن سياقاتها الطبيعية، وانتزاعها من تلك السياقات يغير دلالاتها، وقد تكون معلومات ناقصة أو مشوهة، بل قد تكون مكذوبة، كما أنها قد تكون معلومات محايدة لا يراد منها خدمة توجه معين، وقد تكون معلومات موجهة، وهذه المعلومات والمعارف المتنوعة تعد القاعدة الرئيسة التي من خلالها تتمكن وسائل الإعلام من إحداث أنواع مختلفة من التأثير سواء أكان على المدى القريب أم البعيد، وبهذا الاعتبار يعد تزويد وسائل الإعلام المتلقي بالمعلومات المختلفة آلية أولى في عملية تأثيرها على الرأي العام.‏‏
وتكمن الخطورة في هذه الآلية عندما تقوم وسائل الإعلام في سبيل تشكيل رأي عام معين بنشر معلومات موجهة من خلال مجموعة من البرامج الإعلامية المتنوعة والتي تخدم بشكل غير مباشر، ومن حيث لا يشعر المتلقي ذلك الرأي، ولكن على المدى البعيد، تتم عملية التغيير المعرفي عبر عملية طويلة تتنوع فيها جزيئات التكوين المعرفي الجديدة التي يراد إحلالها محل المعرفة القديمة. كما أن من الآليات التي تنتهجها وسائل الإعلام في التأثير على الرأي العام الانحياز لبعض الآراء وإبرازها للجمهور، والتركيز عليها بأكثر من طريقة سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، والاحتفاء بها، والحديث عن إيجابياتها، والتقليل من شأن سلبياتها، وفي المقابل تقوم بتشويه الآراء الأخرى، وإبراز سلبياتها وتضخيمها، وافتعال الإشكالات حولها، ويصل الوضع أحياناً إلى حد تجاهل تلك الآراء وحجبها عن الجمهور.‏‏
وقد وجدت دراسة تحليلية غربية أن وسائل الإعلام تدفع الجمهور إلى تبني رأي معين من خلال إيهام المتلقي أن موقفها يمثل الرأي العام، فتصفه مثلاً بأنه يمثل «الموقف الوطني» أو «الإحساس العام» أو أن «معظم الناس يؤيدون..»، أو من خلال اللجوء إلى التقاليد الاجتماعية، والادعاء بأن الآراء الأخرى تخالف تقاليد المجتمع، وأنها آراء شاذة، أو عبر تقديم تفسيرات قانونية اجتهادية لتصبح أعمال أصحاب الآراء الأخرى وأنشطتهم خروجاً عن القانون، وإن كانت هذه التفسيرات غير مسلم بها وقابلة للنقاش.‏‏
وتبدأ أولى مراحل تأثير وسائل الإعلام في الرأي العام على الصعيد المعرفي، إذ تقوم وسائل الإعلام بصياغة تكوين معرفي جديد لدى الأفراد حول تلك القضية محل التأثير أو على الأقل إحداث خلخلة في التكوين المعرفي القديم حول تلك القضية، ويتم ذلك من خلال تزويد المتلقي بالمعلومات المختلفة المباشرة وغير المباشرة، والتي تعمل على اجتثاث الأصول المعرفية القائمة لتلك القضايا أو لمجموعة من القضايا لدى الأفراد، وإحلال أصول معرفية جديدة بدلاً عنها، وتأثير وسائل الإعلام في طريقة تفكيرنا وأسلوب تقييمنا للأشياء من خلال ما نتلقاه منها من معلومات يؤدي إلى تحول في قناعاتنا وفي معتقداتنا.‏‏
كما أن لوسائل الإعلام قدرة على تصوير القضايا والأحداث والأشخاص على خلاف الواقع الفعلي، وتقديم تلك التصورات للجمهور على أنها تمثل الصورة الحقيقية، وذلك من خلال توظيف مفهوم الصورة الذهنية، حيث تعرض وسائل الإعلام جزءاً من الصورة الحقيقية عن قضية ما - وتركز عليه - وتقدمها للجمهور على أنها تمثل الصورة الحقيقية بكامل أجزائها، ومن خلال تعرض المتلقي المستمر لوسائل الإعلام تتكون لديه صور ذهنية متعددة عن جملة من القضايا أو الأحداث بناء على الاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية لتلك الوسائل.‏‏
وفي مقالة بعنوان: (الاتصال والرأي العام) يقوم «برنارد بيرلسون» بدراسة تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام، ويقترح المعادلة التالية لمناقشة هذه التأثيرات: (بعض أنواع الاتصال تجذب انتباه بعض الناس لبعض أنواع القضايا، تحت بعض أنواع من الظروف، ويكون لها بعض الأنواع من التأثيرات).‏‏
ويرى «بيرلسون» أن هذه المعادلة تظهر خمس مجموعات من العوامل المرتبطة بعمليات الاتصال، التي تؤثر على الرأي العام، ومنها:‏‏
* أنواع الاتصال: وهو يرى أنه كلما تزداد الطبيعة الشخصية لوسائل الاتصال تزداد فعاليتها في تحويل الآراء، فمعظم حجم الشخصانية في العمل الاتصالي من المفترض أن يحقق فعالية أكثر.‏‏
* أنواع القضايا: إن نوعية القضايا عامل من العوامل المؤثرة في فعالية الإعلام في تأثيره على الرأي العام، ويكون مضمون الاتصال أكثر تأثيراً في الرأي العام إذا كانت القضايا جديدة وغير معادة.‏‏
* أنواع الناس: يختلف تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام باختلاف نوعيات الناس، إذ إن التأثير المباشر لوسائل الإعلام على الرأي العام يمكن ممارسته على جزء فقط من الجمهور الذي يتعرض لوسائل الإعلام المختلفة وأنه كلما كان اقتناع الناس قوياً بقضية ما يصبح صعباً على وسائل الإعلام تغيير الآراء، وكلما كان الناس أقل معرفة بالموضوع، كانت الفرصة أكبر في أن تقوم وسائل الإعلام بالتأثير لتغيير الآراء.‏‏
* أنواع الظروف المحيطة بالاتصال: إن فعالية الاتصال تتنوع باختلاف طبيعة الظروف المحيطة بها من حيث التأثير في الرأي العام، فتأثير الاتصال في تغير الرأي في ظرف يكون فيه احتكار الاتصال أعظم من تأثيره في ظروف تنافس الاتصال.‏‏
* أنواع التأثيرات: هناك عوامل عدة من التأثيرات في الرأي العام، وفي هذا الإطار لابد من التفريق بين تأثير وسائل الإعلام على اعتناق بعض الآراء أكثر من غيرها، وتأثيرها في اعتناق الآراء السياسية بشكل شامل، فوسائل الإعلام لها تأثير كبير في إنتاج اهتمام بالشؤون العامة التي تهم الجمهور، وذلك عن طريق توجيه انتباه الناس لها باستمرار، فكلما زاد تركيز وسائل الإعلام على القضية السياسية قل عزوف الناس عنها، وازداد اهتمامهم بها إلى حد أخذ قرار بها.‏‏

الثلاثاء، 5 مارس 2013


انحرف الأحداث

1 – تعريف الانحراف:

1. التعريف اللغوي: يقول روبرت لافون Rober Laffon عام 1929م: (أن أصل كلمة انحراف من فعل انحرف، والانحراف في اللغة اللاتينية معناه ارتكاب جنحة (أقل من جناية).
وهنا ذا معنيين:
‌أ. المعنى الضيق: المنحرف هو الذي يقدم على ارتكاب جنحة، ومعناه أنه يقدم على مخالفة قانونية، والتي ينتج عنها عقاب تأديبي.
‌ب. المعنى الواسع: المنحرف هو ذلك الذي يقدم على مخالفة للقانون الجنائي بغض النظر عن نوع المخالفة إذا كانت جريمة أو جنحة أو مخالفة.(1)
وعلى ضوء هذا فإن الانحراف لغويا هو ارتكاب جنحة ما، التي ينتج عنها عقاب، وبعبارة أخرى يمكن اعتبار الجانح خرق للقانون وعجز في أداء الواجب.
2. الانحراف في نظر القانون: لقد وضع القانون لحماية مصلحة الجماعة والمجتمع من كل ما يؤدي بهما إلى الاضطراب والفوضى، الإخلال الأخلاقي، وهو بذلك يضع العقوبات المختلفة للمتعمدين وبعثهم عن المنحرفين على حساب درجة الفعل أو السلوك، والجريمة باعتبارها أقصى درجات السلوك المنحرف تعد في نظر علم الإجرام، كل سلوك يمس كل أو بعض القيم أو المعايير الاجتماعية داخل مجتمع ما، هذا من الجانب الاجتماعي. أما من الجانب القانوني فيعرف الانحراف بأنه كل سلوك يتنافى مع مبدأ الشرعية، وهو المبدأ الذي أقرته المواثيق الدولية والمكرس لكل المعايير. أما من الجانب الأخلاقي، فهو كل سلوك يتنافى ويتعارض مع السلوك الطبيعي مخالفا للمبادئ الأخلاقية.
3. الانحراف في نظر علم النفس: هو حالة من التوتر يعيشها الفرد نتيجة عقبة مادية أو نفسية، تعوقه عن إشباع حاجاته، فيظهر أثر ذلك على سلوكه، ويبدي ميولا معادية للمجتمع.
وهو سلوك غير سوي (شاذ)، والشذوذ في علم النفس المرضي: هو انحراف عن المتوسط المعياري الذي هو سلوك معظم الناس.
وفكرة الشذوذ كسلوك مغاير تؤدي إلى نتيجة ذات أهمية خاصة، وهي أن الشذوذ موجود بدرجات مختلفة.(2)



(1) أبو الفيصل جمال الدين، لسان العرب، ط2، ص430.
(2) ج.ب.بيفورد – ت.د.يوسف مراد، ميادين علم النفس النظرية والتطبيق، ص345، 346.



ويعتبر السلوك المنحرف سلوك غير سوي، أي شاذ إذا كان عائقا أمام تحقيق التوافق الاجتماعي افعل ويحاول دون تحقيق أهداف الحياة.
1. الانحراف اصطلاحا: إن اصطلاح منحرف قد يشمل أيضا الأطفال العاصين، أو معتادي الخروج عن الطاقة، ومعتادي الهروب من المنزل أو المدرسة، والأطفال الذين اعتادوا السلوك بطريقة تختلف أو تعرض للخطر أو صحة النفس أو الغير.(1)

2 – أسباب الانحراف:
تشترك في خلق الانحراف جملة من الأسباب المتنوعة، النفسية، الاجتماعية، والاقتصادية والعقلية، بحيث تتفاعل فيما بينها وبدرجات مختلفة.

2 – 1 – الأسباب النفسية:
يرى أصحاب نظرية التحليل النفسي وعلى رأسهم فرويد أن الاضطرابات النفسية التي تولدها الأنظمة النفسية الثلاثة وهي: الهو، الأنا، الأنا الأعلى.
الهو (النفس): تمكن فيه النزعات الغريزية والميول الفطرية والاستعدادات الموروثة تهدف إلى إشباع، دون مراعاة القيم والمبادئ ومعايير المجتمع.
الأنا (العقل): ويرتكز فيه الجانب الشعوري للإنسان وبالتالي فهو على صلة دائمة بالواقع، مهمته التوفيق بين النزاعات والميول والاستعدادات وبين القيم والمعايير.
الأنا الأعلى (الضمير): وتشمل الجانب المثالي في النفس الإنسانية.
إذا تغلب أحد هذه الأنظمة على البقية طفى على سطح الشخصية سلوك غير متوافق مع الأشخاص الذين تعمل لديهم هذه الأنظمة بشكل منظم.(2)وقد افترض فرويد وأتباعه أن المنحرف يرتكب أفعاله المعادية للمجتمع بحثا عن العقاب، نتيجة أن أناه الأعلى عنيف، ويرجع سبب تكون هذا الأنا العنيف إلى الفشل في حل عقدة أو ديب.(3)

(1) وليم كفارا كيوس، ت.عنايات زكي محمد، إنحراف الأحداث، (مصر: مؤسسة فرالكلين للطباعة والنشر 1963م)، ص21.
(2) شلدون كاشدان، ت. أحمد عبد العزيز سلامة، علم النفس الشواذ، (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية 1975م)، ص48.(3) رتشارد لازاروس، ت.السيد محمد عنيم الشخصية، (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية 1985م)، ص81.

ويرجع الأستاذ لاغاش الانحراف إلى عاملين أساسيين هما:
1. فشل المنحرف في إقامة علاقات اجتماعية سوية مع محيطه الاجتماعي نتيجة بعض الاضطرابات النفسية وصعوبة الاندماج الاجتماعي.
2. الخاصية العدوانية في المنحرف نتيجة العلاقات المقطوعة بينه وبين محيطه.(1)

2 – 2 – الأسباب الاجتماعية:
رغم أن الأسرة فقدت كثيرا من وظائفها الأساسية فهي لم تفقد بعد دورها التربوي الأساسي في الحضانة ورعاية الطفل خلال أهم مرحلة من مراحل نموه الجسمي، النفسي، الوجداني والاجتماعي، ألا وهي مرحلة المراهقة التي تعد أخطر وأصعب مرحلة في حياة الفرد، إن الأسرة أرضية فسيحة تتصارع فيها جميع المتغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إنها التربية التي تنمو بين ذراتها البنية الطيبة والجيدة على حد سواء.(2)
ويعتبر غياب الأب مهم عامل مهم في البناء الاجتماعي حيث يمثل بعدا مهما من أبعاد المتغيرات البيئية المؤثرة على السلوك السائد لدى الأطفال والمراهقين.
فغياب الأب على الأقل 05 سنوات يؤدي إلى نوع من التعويض بل يؤدي غالبا إلى ذكورة منحرفة في المراهقة، هذا على حساب دراسات سيجمان سنة 1966م.(3)

2 – 3 – الأسباب الاقتصادية:
يذكر بعض الباحثين منهم وايت Whyteوفاريل Farrellأن ظاهرة الانحراف أصبحت منتشرة بين الناس، وأن المنحرفين من الطبقة المتوسطة يزايدون باستمرار.(4)
وهذا ما بين أن العوز المادي والضعف الاقتصادي أحد العوامل التي تقود إلى إشباع نفسي ومادي بطرق غير شرعية مما يساعد المراهقين على تدني أخلاقهم وانحراف سلوكهم.
إن العوامل الاقتصادية ليست قاصرة في تأثيرها على الكبار البالغين وحدهم، وإنما تؤثر كذلك على المراهقين تأثيرا مباشرا.

(1) نفس المرجع، نفس الصفحة.
(2) عدنان الدوري، أسباب الجريمة وطبيعة السلوك ألانحرافي، (الكويت: جامعة الكويت 1973م)، ص289، 262.
(3) أنور محمد الشرقاوي، انحراف الأحداث، (مصر: دار الثقافة للطباعة والنشر 1977م)، ص106.
(4) محمد جميل منصور وفاروق سيد عبد السلام، النمو من الطفولة إلى المراهقة، (جدة: دار تهامة 1971م)، ط1، ص135.


إنهم بحاجة ماسة إلى الملبس الحسن، والظهور بالمظهر الجيد، ويتباهون أمام أصدقائهم، ويشترون ما يرغبون فيه، فإن لم يتحقق لهم هذا ابتغوا إليه طرقا أخرى غير شرعية تقودهم شيئا فشيئا إلى الانحراف.

3 – الاتجاهات الرئيسية في تفسير السلوك المنحرف:
3 – 1 – اتجاه المدرسة الاجتماعية:
ترجع انحراف البالغ والحدث إلى الظروف الاجتماعية المحيطة به، وبصفة خاصة إلى دور العوامل البيئية على غيرها من العوامل المتصلة بذات الشخص، فالانحراف بصورته المباشرة أو غير المباشرة وليد البيئة التي تمارس ضررا أو فسادا على الحدث، وأسباب الانحراف عديدة، ولكن أهمها يكمن في التصدع العائلي وعدم استقرار الدولة، وجهل الوالدين بأساليب التربية السليمة، فالفرد لا يعيش منعزلا عن تأثيرات البيئة والجريمة نادرا ما تكون عملا انفراديا بل تقع بتأثير أو ضغط البيئة الاجتماعية.
3 – 2 – اتجاه المدرسة النفسية:
وهي ذاتها المدرسة النفسية التي بدأها فرويد والتي ترجع في تفسير السلوك ألانحرافي إلى العوامل النفسية المتمثلة في الغرائز والانفعالات، وتعطى للظاهرة الانحرافية تفسيرات نفسية محضة ذات صلة وثيقة بصور الشذوذ العقلي و النفسي والمركبات والعقد النفسية.
وتعطي هذه المدرسة للسلوك ألانحرافي ذات التفسير التي تعطيه للسلوك الإنساني بوجه عام من ناحية وجود صراع دائم بين الذات الدنيا والذات العليا، وهو صراع تقوم فيه الأنا بدون محاولة التوفيق بين الرغبات المنبعثة من شهوات الذات الدنيا وأوامر الذات العليا ونواهيها، فإذا نجحت في التوفيق فإنها تكيف سلوكها مع مطالب الحياة الاجتماعية وإلا فإن سلوك الإنسان يصبح مضطرا وقد يتحول مع الوقت إلى سلوك انحرافي.
فالمراهق يعبر عن حوافزه وحاجاته تعبيرا ساذجا أنانيا بهدف إشباعها عن طريق تجنب الألم والحصول على اللذة بغض النظر عن المعايير السائدة في المجتمع.
ولكي تكون حياة المراهق منسجمة مع هذه المعايير فهي تمر في فترة تجربة ومران وخبرة، فإذا حصل التوافق نتيجة لهذه التجربة بينه وبين مطالب الهيئة الاجتماعية، كان المراهق يسلك مسلكا واقعيا ينسجم والبيئة التي يعيش فيها، أما إذا لم يتم تدريب الطفل وتعليمه وتربيته على الوجه السليم كان سواد التوافق وسواد الصحة النفسية التي تظهر في أشكال مختلفة من الأعراض المرضية كالأمراض النفسية والعقلية والسلوك المضاد للمجتمع في شتى صوره.
3 -3 – المدرسة الاجتماعية النفسية:
لقد أسفرت بعض الدراسات في علم الاجتماع الجنائي على أن السلوك المنحرف لا يقف عند العوامل الاجتماعية، فالمحرك الأساسي لهذا السلوك هو الانفعال، وقد لا تكون مقاومته بالنسبة لشخص مريض بالأعصاب أو مختل الإدراك، بينما يمكن للشخص الطبيعي وقف هذا الانفعال أو الحد منه يسبب تدخل مجموعة من القوى النفسية الذاتية، ولم يذكر علماء النفس الجنائي دور القوة السببية للعوامل الاجتماعية في عملية خلق السلوك المنحرف، وقد نتج عن هذا التفاعل بين علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الجنائي أن ظهرت اتجاهات مثيرة تحاول التوفيق بين النظرة الاجتماعية والنفسية لمشكلة الأسباب.
وقد نظر لي J.Ley إلى الأسباب الاجتماعية والنفسية للانحراف ورأى بأن العوامل الاجتماعية تتدخل في الاختيار الحر للسلوك الفردي بدرجة يصعب معها الفصل بين الوسط الاجتماعي ومكونات الشخصية ومن هذه الاتجاهات أيضا ما يقول به البعض، من أن سلوك المنحرف في بعض الحالات يدخل في باب الاختيار أكثر من دخوله في باب السببية وأن عملية الاختيار الحر تؤثر فيها الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كما تؤثر فيها العوامل النفسية الوحدانية.
وقد نتج عن تلك الآراء ظهور ما يسمى بعلم النفس الاجتماعي الذي يعني بكيفية تشكل السلوك الاجتماعي لدى الفرد في مختلف أدوار حياته وهو ما يطلق عليه عملية التنشئة الاجتماعية، كما يتناول بالدراسة المعايير والقيم الاجتماعية، والعوامل النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى الخروج عن تلك المعايير وبتالي إلى ارتكاب السلوك المضاد للمجتمع أي أن علم النفس الاجتماعي يهتم بدراسة عملية التفاعل بين الفرد والمجتمع، وعوامل هذا التفاعل ونتائجه
3 - 4 -اتجاه المدرسة الطبيعية:
وقد بدأها لمبورزو الذي تتلخص فكرته في أن الإنسان المجرم يولد نموذجا متميزا عن غيره من الناس، وقد تحدث عن المجرم بالفطرة والميلاد، ودافع بحماس عن هذا الرأي، وقد لحق هذه النظرية كثير من التطور عن طريق تحقيق خلوها الأول، فأصبحت ترجع دور العوامل الطبيعية المتصلة بالتكوين الفطري للجاني إلى جانب عوامل أخرى مركبة لا يمكن إغفال تأثيرها في السلوك المنحرف.
فالمدرسة الطبيعية الحديثة تسلم بوجود نوع من الاستعداد الإجرامي الطبيعي (النفسي، البيولوجي، الفيسيولوجي) لدى طائفة من كبار المجرمين بنوع خاص، وهذا الاستعداد عبر عنه أصحاب المدرسة الطبيعية كل من جهة نظره الخاصة، فهو عند دي بندي يمثل مجموعة من العوامل الفطرية المتصلة بقوة مزاج الجاني وجهازه العصبي، وبالتالي بالعوامل الوراثية البيولوجية، وهو عند كينبرج مجموعة من العوامل الفردية تباشر نوعا من الدفع إلى سلوك منحرف.
هذه الاستعدادات تتفاوت من شخص لآخر ويتعذر تحديد دورها تماما في توجيه السلوك الإجرامي إلى جانب العوامل الأخرى، وكل ما أمكن تأكيده في هذا المجال هو الدور الفعال لهذا الاستعداد الجرمي وقد يحتجب هذا الدور عند بعض الأشخاص في قوته، كما قد يحتجب بها ضعفه وتراجعه عند أشخاص آخرين.(1)
4 – النظريات التي تناولت الانحراف:
4 – 1 – التناول النفسي:
لقد عني علماء النفس بمشكلة الانحراف بالتركيز على شخصية الجانح وقد تعددت آراؤهم وتباينت حول ذلك:
التحليل النفسي: لقد ساهمت نظرية التحليل النفسي بشكل كبير في فهم وتفسير السلوك الجانح. فحسب فرويد Freud (إن الجانح يرتكب أفعاله المضادة للمجتمع بحثا عن العقاب فهو مدفوع بمشاعر الذنب الناتجة عن أن أعلى مفرط في قسوته).(2)
وينشأ الأنا الأعلى القاسي حسب فرويد (نتيجة فشل الطفل في حل عقدة أوديب، مما يجعله دائم التعلق بأمه ويحمل نفسه مشاعر العدوانية اللاواعية اتجاه الأب، الأمر الذي يجعل الأنا الأعلى يتميز بالعنف الذي يظهر على شكل مشاعر ذنب قوية تحتاج لعقاب كي تهدأ.(3) )
ويتفق فرويد مع بعض أتباعه Leborrée Pàche – Kate Freindllandeأن ظاهرة التكرار عند الجانحين الفاشلين لديهم انجذاب نحو السجن، ففي السجن يظهر عليه الهدوء لأن العقاب قد أسكت صوت الأنا الأعلى.


(1) علي محمد جعفر، الأحداث المنحرفون، (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 1996م) ط3، ص22 – 25.
(2) مصطفى حجازي، الأحداث الجانحون، (بيروت: دار الطليعة 1995م)، ص26.
(3) نفس المرجع، ص26.

لكن بعد خروجه لا يمر زمن من حريته حتى يعلو صوت الأنا الأعلى مطالبا بالعقاب من خلال إثارة مشاعر الذنب الشديدة ويستجيب الجانح بالعدوان والسلوك المضاد للمجتمع فيعاقب من جديد وهكذا ترسخ الحلقة المفرغة التي تميز حياة هؤلاء المكررين.
مشاعر ذنب سلوك عدواني جانح ـــ عقاب ــ مشاعر ذنب ... الخ).(3)
أما ميلاني كلاين Mélanie Kleinتقول أن (المنحرف مدفوع أساسا بأنا أعلى عنيف وهمجي)(2) لكنها Klein تختلف مع Freudحول نشأة الأنا الأعلى (فبينما يرده Freud إلى سن 05 إلى 06 سنوات أما Kleinترى بأن الأنا الأعلى ينشأ خلال السنة الأولى من العمر وهي ترجعه إلى العلاقة الأولية مع الأم فإذا كانت هذه العلاقة وما رافقها علاقة سارة ومطمئنة ومشبعة للطفل تكونت لديه صورة إيجابية مع الأم – الصالحة، بينما إذا كانت التجربة الأولى مؤلمة ومحبطة، ولم يحصل الطفل على الارتياح تكون لديه صورة سلبية عن الأم).(3)
وعليه تؤدي صورة الأم الصالحة إلى تكون صورة إيجابية عن الذات وبتالي ينشأ أنا أعلى ودودا، أما الصورة السيئة فتؤدي إلى تكون قيمة سلبية عن الذات وإلى تكون أنا أعلى همجي وعنيف.
ومهما كانت العلاقة إيجابية مع الطفل، فالعلاقة بينهما معرضة لتكون صورة سيئة أو سلبية عنها ويحدث ذلك في الحالات العادية لأنه يصمم خلال المرحلة الفمية السادية في نهاية السنة الأولى، حيث تكون الميول السادية (العنف ألقيمي من خلال العض، الابتلاع والتملك) وتصبغ بطابعها الصورة التي يكونها عن الأم وعن ذاته ويؤدي ذلك إلى نشأة أنا أعلى عنيف، هذه الصورة الداخلية تسقط على الخارج في خطوة ثانية فتلون الموضوعات الخارجية بهذه الصيغة السادية (4) وهكذا ينمو الطفل تحت وطأة الخوف من أن يتلقى من الموضوعات الخارجية الحقيقية، ومن أناه الأعلى هجمات من خياله قصد الاحتماء من الخوف الذي له موضوعاته الخارجية والداخلية، ويحاول خلالها إسكات صوت الأنا الأعلى بالقضاء على الموضوعات التي تغذيه :الأم السيئة والأشخاص العدوانيين الخطرين خياليا.
ويؤدي ذلك إلى إقامة حلقة مفرغة من القلق النابع عن تهديد الموضوعات الدمية، يدفع بالطفل إلى تحطيمها، وهذا التحطيم يولد في نفسه الخوف من انتقام هذه الموضوعات خلال مبادلته. العدوان والعنف مما يؤدي إلى زيادة شدة القلق وإلى مزيد من نوايا العدوان والتحطيم هذه الحلقة المفرغة



(1) مصطفى حجازي، الأحداث الجانحون، (بيروت: دار الطليعة 1995م)، ص27.
(2) نفس المرجع السابق، ص28.
(3) مرجع سابق، ص29.
(4) مرجع سابق، ص 31 – 32

تكون في رأي M.Klein الأولوية النفسية التي يظهر أنها أساس الميول المجرمة والعادية عند الشخص).(1)
رغم مساهمة نظرية التحليل النفسي في تفسير الانحراف إلا أنها بعيدة عن التفسير الإجرائي، الأمر الذي لا يسهل علينا مساعدة المنحرف، كما أن دراسة سلوك المنحرف في حد ذاته يتطلب وقتا طويلا.

4 – 2 – التناول البيولوجي:
تقوم نظرية لومبورزو Lombrouzoفي تفسير السلوك الإجرامي على فكرة الحتمية البيولوجية، (والتي مفادها أن المجرم إنسان يولد وأن سمات الجريمة مطبوعة على جسمه هذه الصفات تدفعه أكثر من غيره إلى ارتكاب الجريمة).(2)
وعليه فإن نظرية لومبرزو ترجع الإجرام إلى الوراثة، (ويمكن تمييز المجرم بصفات تشريحة وعقلية ونفسية ومزاجية معينة وهذه كلها تمثل ما يسميه لومبورزو وصمات الانحلال، وهذه السمات حسبه ليست سببا في الجريمة ذاتها، وإنما هي سمات وصفات مميزة لتشخيص المجرم عن غيرالمجرم وقد تزيد في قابلية الفرد واستعداداه لارتكاب الجريمة).(3)
إضافة إلى ما جاء به لومبرزو (فإن هناك بعض الدراسات البيولوجية التي ترى أن الفرد المنحرف يتميز تركيبه الكروموزومي بزيادة كروموزوم من نوع (Y) ويصبح الشخص (xxy) حيث اكتشف Maluhle (1895) أن الذكور الذين يتصفون بجناح (الانحراف) تكوينهم الوراثي من نوع (xxy) إذا ما قورنوا بغير المنحرفين).(4)
وقد عرف الاتجاه البيولوجي تطورا إذ أن الأبحاث قد توصلت في هذه الوجهة فقد وجد Aisencitatأيسنستات (أن المجرمين يتميزون بصفات شاذة).(5)
في حين ذهب دي توليو Ditollio إلى أن (الانحراف استعداد طبيعي يمثل نزعة فطرية تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة، وقد وضع Ditollioتصنيف خاص للمجرمين).(6)
غير أن الاتجاه البيولوجي بقي يفتقر إلى الدليل العلمي القاطع الذي يثبت حقا الارتباط ألعلائقي بين الانحراف والوراثة، وقد ضعفت حجة هذا الاتجاه أو التناول، خاصة بظهور الدراسات الإنسانية التي تثبت العلاقة بين الانحراف والبيئة، ودور التنشئة الاجتماعية في تحديد السلوك الاجتماعي.

(1)La revue française / Ibid/p32.

(2) عدنان الدوري، أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ، (الكويت: ذات السلاسل 1984م)، ط3، ص131.
(3) نفس المرجع، ص 132.
(4) نفس المرجع، ص 122.
(5) نفس المرجع السابق، ص 134.
(6) نفس المرجع، ص134.


4 – 3 – التناول السلوكي:
يذهب هذا التناول إلى رفض كل ما هو وراثي أو غريزي ولا يعترف في تفسيره للسلوك المنحرف إلا بالعوامل البيئية المكتسبة أو المتعلمة فالأمر حسبه يعود كله إلى المؤثرات البيئية.
والسلوك ليس سوى ردود فعل معقدة لمثيرات معقدة يتلقها الشخص من بيئته وقد اقتبس Sutherlandمن هذه المدرسة مبدأ السلوك المتعلم أو المكتسب، فهو يقول أن السلوك المنحرف متعلم وهو وليد ميزات خارجية تلقاها الشخص من الجماعة المنحرفة التي ينتمي إليها).(1)
ودائما من خلال هذا التناول أدخل Dallardفرضية تتمثل:
في كون الإحباط هو العنصر الأساسي والوحيد في الانحراف ومن المعروف أن العقاب يمكن أن يثبت التظاهرات العدوانية.
ولكن كما أشار Dallard(أن إدخال العقاب يمكن أن يؤدي إلى العدوانية حول الذات، حتى إذا كانت العدوانية معاقبة تبقى دائما الاستشارة لها حول موضوع آخر محبط).(2)
وعليه أدخلت أهمية المحيط الذي يتبادل السلوك مع الفرد لكن ينتج استجابات عدوانية.
وقد شرح باحثون آخرون – الجناحالانحراف – انطلاقا من العوامل الاجتماعية المحيطة، خاصة العوامل الاقتصادية المدنية والحرمان الاجتماعي الثقافي والتمييز العنصري، وصعوبة تحقيق الأهداف الاجتماعية، وصعوبة تحقيق الأهداف الاجتماعية. فحسب جلوك أن العديد من العائلات تساهم في تطور السلوك الجانح).(3)
إن تركيز التناول السلوكي على فكرة الانحراف متعلم، رغم صحة ذلك إلا أنه يبقى تفسير نسبي، لأن التركيز على البيئة والمحيط الاجتماعي لا يعني إهمال الجانب الشخصي في السلوك المنحرف.



(1) مصطفى حجازي، الأحداث الجانحون، (بيروت: دار الطليعة 1995م)، ص79.
(2) عدنان الدوري،أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي، (الكويت: ذات السلاسل 1984م)، ط3، ص196.
(3) نفس المرجع، ص170.


4 – 4 – التناول الاجتماعي:
إذا كانت النظريات النفسية قد اهتمت بدراسة شخصية الجانح فإن النظرية الاجتماعية اتجهت لدراسة العوامل والأسباب البيئية المتعلقة بالانحراف.
وقد انطلقت معظم الدراسات الاجتماعية من مبدأ أن الانحراف سلوك اجتماعي ويرجع الفضل في جلب الانتباه إلى هذا التناول للعالم Ferriوالذي قال (إن علاج الأسباب التي تدفع الناس إلى اقتراف الجرائم هي في تسعة أعشارها خارجة عن قانون العقوبات، إنها في القانون المدني في التشريع الاقتصادي في التنظيم المدرسي والتربوي إنها في جميع مواقف وفصول الحياة الاجتماعية التي تحذف وتخفف أسباب الجرائم).(1)
كما أشار أيضا مورتون Murtonإلى (أن السلوك المنحرف هو وليد هذا أو ذاك من الأسباب الداخلية أو الخارجية المعزولة عن إطارها الحياتي).(2)
وقد وجدت الكثير من البحوث التي تبث العلاقة بين الوضعية الاجتماعية والانحراف (فالانحراف حسب هذه البحوث وليد البيئة التي تمارس ضررا أو فسادا على الحدث فهو (الانحراف) نادرا ما يكون عملا فرديا بل يقع بتأثير أو ضغط البيئة الاجتماعية).(3)
كما أضافت بعض الدراسات السكانية العلاقة بين التوزيع السكاني والانحراف. أمثال دراسة chefford.(4)
في حين أشار Szubo إلى عامل التفكك الاجتماعي والتراقي الاجتماعي اللذان يؤديان مباشرة إلى الانحراف.(5)
مما تقدم من هذا التناول الأخير (الاجتماعي) نلخص أنه ركز على دراسة العوامل التي تؤدي إلى الانحراف معتبرا البيئة المولد الأساسي له، بما يسودها من خلل يدفع الفرد إلى الانحراف.




(1) محمد عبد القادر قوسمية، جنوح الأحداث في التشريع الجزائري، (الجزائر: م.و.ك 1992م)، ص103..
(2) مصطفى حجازي، الأحداث الجانحون، (بيروت: دار الطليعة 1995م)، ص 75.
(3) علي محمد جعفر، الأحداث المنحرفون، (بيروت: المؤسسة الجامعية 1984م)، ص59.
(4) مصطفى حجازي، نفس المرجع، ص96.
(5) نفس المرجع، ص97.