تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام
آراءالخميس 17-5-2012 د. هزوان الوز
تتم عملية التأثير على الرأي العام بخطوات وأساليب متعددة، فوسائل الإعلام
باعتبارها مصدراً مهماً من مصادر المعلومات تقوم بتزويد المتلقي على نحو مستمر بكم
هائل من المعلومات والمعارف المختلفة في شتى القضايا والموضوعات،
وهذه المعلومات قد تكون صحيحة ضمن سياقاتها الطبيعية، وانتزاعها من تلك
السياقات يغير دلالاتها، وقد تكون معلومات ناقصة أو مشوهة، بل قد تكون مكذوبة، كما
أنها قد تكون معلومات محايدة لا يراد منها خدمة توجه معين، وقد تكون معلومات
موجهة، وهذه المعلومات والمعارف المتنوعة تعد القاعدة الرئيسة التي من خلالها
تتمكن وسائل الإعلام من إحداث أنواع مختلفة من التأثير سواء أكان على المدى القريب
أم البعيد، وبهذا الاعتبار يعد تزويد وسائل الإعلام المتلقي بالمعلومات المختلفة
آلية أولى في عملية تأثيرها على الرأي العام.
وتكمن الخطورة في هذه الآلية عندما تقوم وسائل الإعلام في سبيل تشكيل رأي عام
معين بنشر معلومات موجهة من خلال مجموعة من البرامج الإعلامية المتنوعة والتي تخدم
بشكل غير مباشر، ومن حيث لا يشعر المتلقي ذلك الرأي، ولكن على المدى البعيد، تتم
عملية التغيير المعرفي عبر عملية طويلة تتنوع فيها جزيئات التكوين المعرفي الجديدة
التي يراد إحلالها محل المعرفة القديمة. كما أن من الآليات التي تنتهجها وسائل
الإعلام في التأثير على الرأي العام الانحياز لبعض الآراء وإبرازها للجمهور،
والتركيز عليها بأكثر من طريقة سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، والاحتفاء بها،
والحديث عن إيجابياتها، والتقليل من شأن سلبياتها، وفي المقابل تقوم بتشويه الآراء
الأخرى، وإبراز سلبياتها وتضخيمها، وافتعال الإشكالات حولها، ويصل الوضع أحياناً
إلى حد تجاهل تلك الآراء وحجبها عن الجمهور.
وقد وجدت دراسة تحليلية غربية أن وسائل الإعلام تدفع الجمهور إلى تبني رأي
معين من خلال إيهام المتلقي أن موقفها يمثل الرأي العام، فتصفه مثلاً بأنه يمثل
«الموقف الوطني» أو «الإحساس العام» أو أن «معظم الناس يؤيدون..»، أو من خلال
اللجوء إلى التقاليد الاجتماعية، والادعاء بأن الآراء الأخرى تخالف تقاليد
المجتمع، وأنها آراء شاذة، أو عبر تقديم تفسيرات قانونية اجتهادية لتصبح أعمال
أصحاب الآراء الأخرى وأنشطتهم خروجاً عن القانون، وإن كانت هذه التفسيرات غير مسلم
بها وقابلة للنقاش.
وتبدأ أولى مراحل تأثير وسائل الإعلام في الرأي العام على الصعيد المعرفي، إذ
تقوم وسائل الإعلام بصياغة تكوين معرفي جديد لدى الأفراد حول تلك القضية محل
التأثير أو على الأقل إحداث خلخلة في التكوين المعرفي القديم حول تلك القضية، ويتم
ذلك من خلال تزويد المتلقي بالمعلومات المختلفة المباشرة وغير المباشرة، والتي تعمل
على اجتثاث الأصول المعرفية القائمة لتلك القضايا أو لمجموعة من القضايا لدى
الأفراد، وإحلال أصول معرفية جديدة بدلاً عنها، وتأثير وسائل الإعلام في طريقة
تفكيرنا وأسلوب تقييمنا للأشياء من خلال ما نتلقاه منها من معلومات يؤدي إلى تحول
في قناعاتنا وفي معتقداتنا.
كما أن لوسائل الإعلام قدرة على تصوير القضايا والأحداث والأشخاص على خلاف
الواقع الفعلي، وتقديم تلك التصورات للجمهور على أنها تمثل الصورة الحقيقية، وذلك
من خلال توظيف مفهوم الصورة الذهنية، حيث تعرض وسائل الإعلام جزءاً من الصورة
الحقيقية عن قضية ما - وتركز عليه - وتقدمها للجمهور على أنها تمثل الصورة
الحقيقية بكامل أجزائها، ومن خلال تعرض المتلقي المستمر لوسائل الإعلام تتكون لديه
صور ذهنية متعددة عن جملة من القضايا أو الأحداث بناء على الاتجاهات السياسية
والفكرية والثقافية لتلك الوسائل.
وفي مقالة بعنوان: (الاتصال والرأي العام) يقوم «برنارد بيرلسون» بدراسة تأثير
وسائل الإعلام على الرأي العام، ويقترح المعادلة التالية لمناقشة هذه التأثيرات:
(بعض أنواع الاتصال تجذب انتباه بعض الناس لبعض أنواع القضايا، تحت بعض أنواع من
الظروف، ويكون لها بعض الأنواع من التأثيرات).
ويرى «بيرلسون» أن هذه المعادلة تظهر خمس مجموعات من العوامل المرتبطة بعمليات
الاتصال، التي تؤثر على الرأي العام، ومنها:
* أنواع الاتصال: وهو يرى أنه كلما تزداد الطبيعة الشخصية لوسائل الاتصال تزداد
فعاليتها في تحويل الآراء، فمعظم حجم الشخصانية في العمل الاتصالي من المفترض أن
يحقق فعالية أكثر.
* أنواع القضايا: إن نوعية القضايا عامل من العوامل المؤثرة في فعالية الإعلام
في تأثيره على الرأي العام، ويكون مضمون الاتصال أكثر تأثيراً في الرأي العام إذا
كانت القضايا جديدة وغير معادة.
* أنواع الناس: يختلف تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام باختلاف نوعيات
الناس، إذ إن التأثير المباشر لوسائل الإعلام على الرأي العام يمكن ممارسته على
جزء فقط من الجمهور الذي يتعرض لوسائل الإعلام المختلفة وأنه كلما كان اقتناع
الناس قوياً بقضية ما يصبح صعباً على وسائل الإعلام تغيير الآراء، وكلما كان الناس
أقل معرفة بالموضوع، كانت الفرصة أكبر في أن تقوم وسائل الإعلام بالتأثير لتغيير
الآراء.
* أنواع الظروف المحيطة بالاتصال: إن فعالية الاتصال تتنوع باختلاف طبيعة الظروف
المحيطة بها من حيث التأثير في الرأي العام، فتأثير الاتصال في تغير الرأي في ظرف
يكون فيه احتكار الاتصال أعظم من تأثيره في ظروف تنافس الاتصال.
* أنواع التأثيرات: هناك عوامل عدة من التأثيرات في الرأي العام، وفي هذا الإطار
لابد من التفريق بين تأثير وسائل الإعلام على اعتناق بعض الآراء أكثر من غيرها،
وتأثيرها في اعتناق الآراء السياسية بشكل شامل، فوسائل الإعلام لها تأثير كبير في
إنتاج اهتمام بالشؤون العامة التي تهم الجمهور، وذلك عن طريق توجيه انتباه الناس
لها باستمرار، فكلما زاد تركيز وسائل الإعلام على القضية السياسية قل عزوف الناس
عنها، وازداد اهتمامهم بها إلى حد أخذ قرار بها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق